قَلَمٌ رَصَّاص

الغش ظاهرة اجتماعية مَرَضية

تنامي ظاهرة الغش في الامتحانات نتيجة حتمية، بسبب انهيار منظومة القيم التي ناضل من أجل إرسائها آباؤنا وأجدادنا عبر التاريخ، وهرولة الجميع إلى التسلق الطبقي وتقلد المناصب دون التوفر على الكفاءة اللازمة، وعدم وضوح الرؤيا حول الهوية والقيم المشتركة بين أفراد الوطن الواحد. وهذا التشتت والتيه مرتبط بغياب تنشئة اجتماعية سوية داخل الأسرة والمدرسة والمحيط العائلي والأحزاب السياسية التي تحولت إلى أجهزة تبحث عن الخزان الانتخابي المرحلي، وتخلت عن الدور التأطيري والتكويني، منتصرة لأصحاب النفوذ والمال، من أجل الاغتناء الشخصي والصمود على الكراسي، والمجتمع المدني الذي تخلى عن دوره الريادي في مجال غرس القيم والأخلاق، وحصره في المطالبة بالدعم المادي، لقضاء مصالح شخصية.

كل هذه العوامل لم تساهم في تقديم نموذج مواطن مغربي سوي، هذا إضافة إلى تدني البرامج والمناهل التعليمية وتقديم تجارب فاشلة من كل مسؤول يفد على قطاع التعليم؛ بل إن جل هؤلاء المسؤولين يحرصون على تعليم وتكوين أبنائهم خارج أرض الوطن لعدم اقتناعهم بما يصوغونه ويقترحونه لفلذات أكباد الوطن.

ولعل تفشي ظاهرة الغش جعل البعض ينتفض ضد القانون 02.13 المتعلق بزجر الغش في الامتحانات المدرسية خلال الولاية البرلمانية السابقة، الذي دخل حاليا حيز التنفيذ وجرم الغش في الامتحان وتسريب مواضيع الامتحانات، لعلمهم أن الغش أصبح مشاعا وله مفعول السحر، وتيسير الولوج إلى الإدارة وتسلق الدرجات دونما مجهود يذكر، وكم جعل من منعدمي الكفاءة في أعلى درجات المسؤولية؛ ناهيك عن الانحرافات الخطيرة المتمثلة في الحصول على دبلومات بالغش وتقلد مسؤوليات بمستويات متدنية لا تخدم المجتمع في شيء، بالإضافة إلى العزوف الممنهج والإرادي واللاارادي عن قراءة الكتب، وما استتبع ذلك من تردي مستوى الكتابة والتحرير وإيصال الأفكار ومعرفة تاريخ ومنجزات الدول، إذا أضفنا إلى كل ذلك الضعف المواطناتي لأجيال ما بعد الحصول على الاستقلال، لأن ما كان يجمع الآباء والأجداد هو تحرير الوطن من الاستعمار، في حين أصبح هاجس أحفادهم هو مغادرة الوطن أو تدمير الوطن، كنتيجة حتمية لتكوين ناقص عن درجة الاعتبار وتشتت هوياتي وفوارق اجتماعية صارخة ناتجة عن التوزيع غير العادل للثروات، وتفشي البطالة واللجوء إلى الحبوب المهلوسة، المسبب الرئيسي لارتكاب الجرائم الفظيعة، وعجز السياسات الحكومية عن مواجهة المعضلات وعدم اكتراث نواب الأمة بما يجري تبعا لتزكية الأحزاب لمن هو غير أهل للتمثيلية على رأسها.

الأكثر من ذلك أن بعض المدافعين عن حقوق الإنسان هم منتهكوها بالأساس، وبعض النساء المدافعات عن حقوق الطفل يشغلن القاصرات في العمالة المنزلية، وما ينتج عن ذلك من سوء المعاملة والتعرض للاعتداءات الجنسية والحرمان من التمدرس والتكوين والولادة المبكرة، وإنتاج جيل من الأطفال المنحرفين يجوبون الشوارع بدون هدف باستثناء تناول المخدرات وارتكاب جرائم الأموال والأشخاص، وأحيانا الانتصار للتعصب وزرع الكراهية، ولم لا التحول إلى أدوات إرهاب واقتتال لفائدة جهات خفية لها مصلحة في ذلك، طبقا لقاعدة المحروم الغاضب أداة في يد العدو متى لم يكن محصنا بالمبادئ والقيم؛ هذه المبادئ التي تخلى المجتمع عن تلقينها لجيل “الفاسبوك” وقنوات التواصل الاجتماعي! إذا أضفنا إلى ذلك كله اكتفاء الناشئة بتتبع المسلسلات التلفزية وألعاب الألواح الإلكترونية والقنوات الفضائية المركزة على الترهيب والتذكير بعذاب القبر والتفنن في أساليب الكراهية والتخندق، موازاة مع اعتبار قطاعات الرياضة والثقافة في المغرب ثانوية وغير مسندة لذوي الاختصاص، ما نتج عنه إعدام الإبداع وتقزيم الفنانين، ولا نتحدث عن تشجيعهم لأن ذلك من سابع المستحيلات؛ وفشل سياسة ملاعب القرب ومركبات الترفيه، ملاذ الشباب والمراهقين من أجل تفريغ الطاقات واكتساب المهارات الرياضية والثقافية، خصوصا في الأحياء المهمشة والعالم القروي، بدل التركيز على الشذوذ الجنسي وتناول الحبوب المهلوسة وتحول شباب مستقبل البلاد إلى وحوش آدمية مدمرة للمجتمع بكل مقوماته.

لذلك ألم يحن الوقت لصحوة مواطنة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ لماذا لا ندق ناقوس الخطر وننتفض ضد طوفان الغش والرداءة والأنانية ونكف عن تدمير الوطن؟ لماذا لا نعترف بأخطائنا ونشخص الداء قصد علاجه نهائيا بدل تقديم مسكنات الباراصيطامول بطريقة عشوائية من أجل تخفيف الآلام؟..التقدم لا يكون إلا اجتماعيا يحقق العدل للجميع، والسبيل الوحيد إلى التنمية هو العلم، وإذا بنينا ركائزنا عن طريق الغش والمحاباة والتفنن في منح دبلومات وشواهد عليا فارغة من محتواها، بل أحيانا لا يكلف الحاصل عليها نفسه حتى عناء قراءتها واستيعاب محتواها، كانت الأركان واهية ومصيرها الانهيار، علما أن الغش وازدراء الوطن والأنانية وتعظيم الذات، وتحمل المسؤوليات الجسام دون كفاءة ومؤهلات، لا تقتصر على هذا أو ذاك أو نائب أمة أو مسؤول سام أو منتخب أو معين، وإنما تسري على جميع أفراد المجتمع. بل أحيانا يطالب ويحتج أولياء الأمر لما يتعلق الأمر بالتشديد في الحراسة لمنع الغش لأن الجميع حسب قناعاتهم يتعاطى للغش، وبالتالي حرمان أبنائهم منه هو عدم تكافؤ للفرص.

وأصبح الأساتذة حراس الامتحانات مهددين بالتعنيف أحيانا إن هم أخلصوا في الحراسة وضبط المتلبسين بالغش، وبالتالي أصبح مدعاة للشرعنة، بل أصبح البعض يخترع وسائل غش متطورة. مثال ذلك ما يتم ترويجه من قمصان متطورة موصولة بسماعات رقمية موجهة إلى المترشحين الراغبين في ارتكاب أعمال الغش في الامتحانات. وإذا كانت الدول المتقدمة التي بصمت محطات التاريخ برقيها واختراعاتها وقدمت نماذج تنموية ناجحة فإنها تسلحت لا محالة بالقيم والأخلاق.

في اليابان مثلا تدرس مادة من أولى ابتدائي إلى السادسة ابتدائي اسمها طريق إلى الأخلاق، يلقنون فيها الأخلاق للتلاميذ وطريقة تعاملهم مع الناس؛ كما لا ﻳﻮﺟﺪ ﺭﺳﻮﺏ ﻣﻦ ﺃﻭﻟﻰ ﺍﺑﺘﺪﺍﺋﻲ ﺇﻟﻰ ﺛﺎﻟﺚ ﻣﺘﻮﺳﻂ، ﻷ‌ﻥ ﺍﻟﻬﺪﻑ ﻫﻮ ﺍﻟﺘﺮﺑﻴﺔ ﻭﻏﺮﺱ ﺍﻟﻤﻔﺎﻫﻴﻢ ﻭﺑﻨﺎﺀ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ. لنفهم أن الاستمرار في طريق الغش، سواء تعلق الأمر بالغش في الامتحانات من أجل نيل شواهد غير مستحقة ولا تعبر عن مستوى الحاصلين عليها، أو غش من يعمد إلى تسريب مواضيع الامتحانات أو محاباة البعض للتمكين من الشواهد بدون وجه حق، أو حصول المسؤولين ذوي المناصب العليا أو المنتخبين على شواهد دون بذلهم أي مجهود عن طريق المحاباة أو بذل المال، كلها أمور مرفوضة ولن تمكن بلادنا من السير قدما إلى الأمام، لأن ما بني على الباطل فهو باطل، كما أنها لا تعطي للناشئة مُثلا عليا يتم الاقتداء، بها بل تجعل الناشئة تتأقلم مع هذا الوضع المرضي المسيء إلى تطور وتنمية البلاد . 

سليمة فراجي

Ecole AL BADAILE Privée
eljadida36.com-amxa

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
error: حقوق الطبع و النشر محمية من طرف الجديدة 36
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock