36 ساعةقَلَمٌ رَصَّاص

عزيز العرباوي يكتب : ماذا يجري في مجال الفن؟

الجديدة 36 eljadida

عزيز العرباوي

عندما أستمع لبعض الأغاني المغربية العصرية التي يغنيها أو بالأحرى يتفوه أو تخرج عفوياً على ألسنة بعض الشباب المغني أشعر أنني أستمع لهراء وكلام عجيب وغريب عن ثقافتنا وعن لغتنا وعن كل شيء ننتمي إليه ونشعر أنه يمثلنا ثقافياً وفنياً. وما يحز في النفس حقيقة هو العدد الهائل من الجمهور الذي يهتم بها ويتابعها ويدعمها سواء كان هذا الجمهور من الشباب الغافل والمتصف بالقصور الثقافي والوعي الفكري الذي يختار قبل أن يستهلك ويتابع الموجة الفنية الدخيلة على المجتمع، أم من الأجيال الأخرى التي لا تختلف عن هذه الفئة الشابة المغرر بهم ثقافياً وفنياً.

صار الفن المغربي الجديد، الذي أصبح مطية شباب لا ثقافة له ولا وعي حقيقي ونقدي للواقع والقضايا الاجتماعية والسياسية التي تغرق المجتمع، مجرد كلام تافه لا يفيد في شيء ولا يقدم ولا يؤخر في الأمر شيئاً. فأي شباب هذا يغرق الفن المغربي بأغانٍ تافهة ورديئة لا إبداع فيها ولا تجديد على المستوى الموسيقي والتعبيري والصوتي. فالموسيقى نفسها عند أغلبهم ولا جديد فيها، والكلمات رديئة مستمدة من القاموس الشبابي الهابط الرائج في الشارع العام وفي الفضاءات العامة، أما الصوت فحدث ولا حرج حيث يتم التدخل فيه بواسطة الوسائل التكنولوجية لتعديله وتنسيقه حتى يلائم الكلمات والموسيقى، فلو ترك لهذا الصوت أن يكون عادياً وعلى السجية لما لقي أحداً يستحسنه أو يرغب في سماعه لما يتصف به من رداءة وغرابة.

إن الفن المغربي، ومن خلاله الموسيقى والغناء، قد أصبح مجالاً للتنافس على المال والشهرة، حيث التسابق المحموم بين شباب لا يعرف كيف يختار الكلمة المعبرة، ولا يدرك أهمية الفن في رقي المجتمع وتطويره والمساهمة في إغناء ثقافته. ومن فالدعوة موجهة للنقد الفني والموسيقي ليبحث في هذه الظاهرة الغريبة، وللباحثين في علم الاجتماع وعلم النفس أيضاً من أجل البحث في سبب اندحار هذا النوع من الشباب وولوجه إلى كل شيء مدمر للثقافة والفكر للوصول إلى الغايات والأهداف. فليس من الحكمة أن يصمت الباحثون والنقاد عن هذه الظاهرة إلا إذا كانوا من محبي هذا الفن الرديء ومن “مريديه” الكثيرين.

لا أفهم لماذا يتم الاحتفاء بمثل هذه الرداءة الفنية والثقافية في إعلامنا العمومي أو (الخاص) ويتم تجاهل كل ثقافة جميلة وإبداعية وقادرة على التأثير الإيجابي في الجمهور وأفراد المجتمع؟ ولماذا يغيب إعلامنا عندما يحصل أحد كتابنا ومثقفينا على جوائز عربية وعالمية؟ وكيف لا تتحرك عنده مشاعر الوطنية في مثل هذه المناسبات التتويجية العربية؟ أم أن كل من تفوق في الخارج لا يمثل المغاربة حسب عرف هذا الإعلام؟ ثم ألا يشعر بالخجل عندما يمرر أغنية هابطة على مستوى الكلمة ورديئة على مستوى الموسيقى والصوت ويتجاهل العديد من القضايا الاجتماعية والثقافية التي تبرز الوجه الحقيقي للمغرب الذي يمثله مثقفوه في المحافل العربية والعالمية خير تمثيل أفضل بمليون مرة مما يمثله (فنانون) لا يقولون شيئاً ولا يقدمون أية إضافة؟.

إن أغلب الأغاني الشبابية الجديدة التي تنتج مؤخراً تنهل من قاموس سوقي يستنجد بقاموس “الحب” والعلاقات الحميمية بين الذكر والأنثى. ومن بين كل هذه الأغاني لا يمكننا العثور على أغنية تناقش قضية اجتماعية أو سياسية على غرار أغانٍ غربية أو حتى عربية أخرى كالأغاني المصرية التي احتفت بانتفاضة الشعب المصري الأخيرة. فلو بحثنا جيداً وتعمقنا أكثر في كل ما يحيط بهذه الأغاني لوجدنا أن كتابها أشخاص مغمورون لا يعرفهم أحد، وملحنوها لا شهرة لهم وحضورهم في الساحة الفنية ضعيف جداًّ أو غير وارد أصلاً، كل هذا وأشياء أخرى تدخل في هذا الإطار تقود إلى نتيجة واحدة ووحيدة وهي إنتاج أغانٍ هابطة ورديئة على كافة الأصعدة والمستويات. والتساؤل الذي يطرح نفسه بإلحاح علينا هو: أين نقادنا من كل هذا؟ وكيف يعطون لأنفسهم الحق في الصمت على مثل هذه الرداءة ويصمتون على الباطل الفني بكل تواطؤ مباشر منهم أو غير مباشر؟.

ما ينطبق على السياسة عندنا، ينطبق على الفن أيضاً، فالرداءة السياسية بكل مميزاتها قد أصابت الفن بالعدوى وأحالته إلى رداءة من نوع جديد. أصبحت السياسة عندنا هي التنكيت والسخرية من الخصم والهزل من المنافس السياسي والكذب على الناس والنفاق في كل شيء والغش والخديعة المغلفة بالدين والثقافة والفن، وصار الفن عندنا بالمثل يغرق في كل هذه الأشياء ويستغرق فيها أكثر حتى الأعماق. ثم يأتون بعد ذلك ويقولون لنا إن الفن المغربي بخير والشباب الفنان صار مجدداً ومبدعاً بينما كل إنتاجاته الغنائية مجرد خزعبلات وجعجعة بلا طحين، ولا يمكنها أن ترتقي إلى الفن الحقيقي الذي يساهم في التغيير والتوعية وتربية الذائقة الفنية والموسيقية عند الجمهور…

Ecole AL BADAILE Privée
الوسوم
eljadida36.com-amxa

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: حقوق الطبع و النشر محمية من طرف الجديدة 36
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock