36 ساعةالأولىقَلَمٌ رَصَّاص

ظهور الطبيب العطّاش !!

بالأمس، زرت عيادة طبيب القلب بمدينة الجديدة حوالي الساعة السابعة مساء، فوجدت قاعة الانتظار مازالت مليئة بالمرضى، إذ استغربت للظاهرة، خصوصا وأنني كنت أتوقع أن أجد مريضين أو ثلاث إثر هذه الساعة المتأخرة من المساء، فوقفت أمام مكتب الممرضة أنتظر قدومها، وعندما جاءت نظرت إلي باستغراب، نظرا لتأخر موعد زيارة الطبيب، فحاولت إقناعها بتسجيلي في لائحة المنتظرين ظنا مني أن العدد يقل على خمسة، وبعد أن تأففت وامتنعت في البداية، قامت بتسجيلي في النهاية، ثم أدخلت اللائحة إلى الطبيب الذي امتعض هو الآخر من تسجيلها لإسم مريض حوالي الساعة السابعة مساء، لكنه قبل كذلك في النهاية، وانتصرت سومة الاستشارة!

عادت الممرضة إلى مكتبها، فسألتها عن الأسماء المتبقية، فقالت لي ” مازال هناك 14 مريض!” ، فقلت في نفسي، هذا يعني أن الطبيب سيستقبلني حوالي الساعة العاشرة مساء أو أكثر، ولما استرقت النظر، لمحت إسمي يحتل رقم 37، فقلت للممرضة، هلا أرجأت استشارتي للطبيب حتى اليوم الموالي، فقبلت وقالت لي لا أضمن لك التسجيل، ولكن يمكنك أن تسجل نفسك عبر الهاتف في اليوم الموالي، فقط عليك مهاتفتي، فقبلت العرض، ثم انصرفت لحالي، وأنا أعلم جيدا أن الطبيب الذي سيستقبلني في ساعة متأخرة من الليل مرهقا لن يستوعب أسئلتي، ولن يفيدني شيئا في تشخيص ما أعانيه…

وبينما أنا أغادر العيادة، وجدت شابا يصلي ببابها، فانتظرته حتى انتهى من ممارسة طقسه، ثم سألته عن دوره في رؤية الطبيب، فأجابني بأنه ينتظره منذ الظهر، وبأن هذا الطبيب لم يغادر العيادة للغذاء أو الراحة، إذ اشتغل طيلة اليوم، منذ الصباح حتى المساء دون توقف، فتساءل بعض الحضور عن وجبة غذائه وقيلولته، فقلت لهم بصراحة: كيف تقبلون بزيارة طبيب يشتغل دون توقف ويسجل لوائح سريالية مثل 37 مريض لفحصهم يوميا؟؟؟ كيف سيتمكن هذا الطبيب من التركيز والفحص المسؤول للمرضى؟

لم يعر أي من المرضى اهتماما لما قلته، إذ غادرت العيادة غاضبا من نفسي و من مريض، قد سلم أمره لقدر محتوم، فرض عليه طبيبا “عطاشا” يقدّر له الدواء ويخمن له التشخيص حسب المكانا (ذلك التوقيت الزمني المخصص لكل مريض)…

لقد ظهر مؤخراً طبيب عطّاش، يمكث في عيادته منذ الصباح، ويشتغل حتى ساعات متأخرة من الليل، متفانيا في جمع الأموال وملتزما بتحقيق أهداف اقتصادية حسب جداول زمنية محددة…طُزٍّ في الفسحة أو قسط من الراحة!

وفي السياق ذاته، قمت مؤخراً بمهاتفة عيادة بروفيسور بالدار البيضاء، لأكتشف أن جدوله الزمني هو الآخر مملوء عن آخره طيلة هذا الشهر، وأن حجز المواعيد لزيارته لن يبتدأ حتى شهر يناير من السنة القادمة، ولما استفسرت عن أحوال هذا الطبيب، قيل لي أنه يبدأ العمل باكرا بمصحته، إذ يقوم بعمليات جراحية، وبعدها مباشرة ينتقل إلى العيادة، فيباشر الاستشارات الطبية منذ الساعة الثانية زولا حتى الساعة 12 ليلا، وعندما يتعب، يقوم بحجز بضعة أيام باعتبارها عطلة ترفيهية خارج الوطن يزور على إثرها دولا بعيدة ، ثم يعود لعمله بعد ذلك، وقد يجني هذا الطبيب مبالغ خيالية شهريا تقدر ب 600.000 أو 700.000 درهم شهريا، وتعتبر هذه أجرة لا يحصل عليها طبيب في دولة متقدمة كابريطانيا، أو فرنسا أو كندا، فأين دور الوزارة الوصية إذن في تقنين عمل هذا القطاع؟

متى أصبحت صحة المواطن تجارة مربحة تدر دخلا خياليا على مجموعة من الأطباء؟ وهل تحولت صحة المواطن إلى سلعة تجارية يمكن تقييمها بالدقيقة والثانية؟

متى تحول الطبيب إلى عطّاش، مثله مثل العامل في قطاع البناء، يحترف مهنة الطب “بالعطش” ، حيث لا يكثرت إلى الروشتة، و من الممكن أن يخطأ في الفحص أو تقدير الدواء، مادام المريض بالنسبة له سوى “بلاصة” أو رقم بلائحة دخله اليومي.

إن الدخل اليومي لطبيب القلب هذا دون احتساب عمله في المصحات، قد يقدر بـ…37*200(600)= 10,000.

بصراحة، لقد ضاعت قيمنا النبيلة بظهور أنواع اجتماعية كهذه، فهمت الرأسمالية في شقها المتوحش، خالية من القيم، و يظل الطبيب العطّاش خير  نموذج!

مجمد معرف -أستاذ بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة

Groupe Scolaire Nizar Kabbani
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق الطبع و النشر محمية من طرف الجديدة 36
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock